الشيخ محمد الصادقي

387

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

خلق في زوايا ثلاث ، كل لاحقٍ يتبنى سابقه ، وكل تطور عن أسبقه مزيداً عليه . ثم كسوة العظام لحماً ليس في هذه التطورات له نصيب ، واخيراً - / وبعد تكملة الجنين جسمياً - / « أنشأناه خلقاً آخر » دون خلقناه أو جعلناه - / مما يدل على أن المُنشأ غير مجعول ولا مخلوق كمثلث الخلق أو مربّعة . « أنشأناه » الجنين ، دون « انشأنا له » فليس الخلق الآخر الروحُ من غير جنس الجنين ، مجرد أم سواه ، بل هو هو انشاءً ، فلم تتحول العظام المكسوة باللحم روحاً ، كما تحول كل من النطفة والعلقة والمضغة تاليتَها ككل ، وانما « أنشأناه خلقاً آخر » ليس آخر كما كانت هذه الثلاث ، وانما آخر في الحالة والخاصة الحاضرة رغم كونه من المادة الجنينية . فكما يقال أنشأت الوردة جلاباً وعطراً ، وأنشأ التراب الذهبي ذهباً ، فالمُنشأ سلالة وصفوة من المُنشأ منه وليس كلَّه ، كذلك الروح مُنشأ من نفس المادة الجنينية وليس كلها ، ولا بعضا منها كسائر أبعاضها ، بل هو سلالة منها مصطفاة ، لها خاصتها الخاصة التي ليست لسائر اجزاء الجنين مهما اشتركا في أصل المادة ، كما الذهب والتراب ! وكما الئيدروجين وهى أخف واصفى الذرات بالنسبة لأثقلها وأكدرها . وقد تعنى « ثم » المراخية هنا - / كما في « ثم جعلناه » - / انفصالَ الروح عن البدن بعيداً من حيث الكيان ، مهما كانا متحدين في الكون المادي ، كما أن جعل النطفة متراخٍ عن خلقه من سلالة من طين ، والفاء في الثلاثة المتوسطة دليل التقارب والتماثل . « ثم » بعيداً عن الكثافة الجسمية الجنينية وبعيداً عن كُدرتها والأكثرية الساحقة من آثارها « أنشأناه » : الانسان الميت لحد الآن « خلقاً آخر » يختلف عن الأول في شاكلة المادة وخاصتها بحيوية شاعرة مريدة لم تكن له من ذي قبل ، الا حركات تكاملية - / ان صح التعبير - / هي أتوماتيكية . ثم الانشاء هو ايجاد الشئ ء وتربيته ناشئاً عن الآخر ، اذاً ف « خلقاً آخر » وهو الروح « 1 »

--> ( 1 ) - / نور الثقلين 3 : 541 في تفسير القمي في رواية أبى الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى : « ثم انشأناه‌خلقاً آخر » فهو نفخ الروح فيه .